العدالة الانتقالية في سوريا: حين يصبح الجاني حكمًا؟

سليمان سليمان – رئيس جبهة كوردستان سوريا

 

 

يكثر الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا بوصفها بوابة للاستقرار وبناء الدولة، لكن هذا الحديث يتحول إلى مجرد تزييفٍ سياسي حين يطرح في ظل سلطة لم تقم على قطيعة حقيقية مع العنف، بل على إعادة تدويره وتنظيمه داخل بنية حكم جديدة. فما نشهده اليوم ليس انتقالًا من منطق الجريمة إلى منطق القانون، بل انتقالًا من جريمةٍ بلا غطاء، إلى جريمةٍ بغطاء الدولة.

فالعدالة الانتقالية، كما تعرفها الأدبيات السياسية والقانونية، لا تعني طي صفحة الماضي بقرار فوقي، ولا فرض النسيان على الضحايا باسم الواقعية السياسية ، بل تقوم على قاعدة صلبة: لا دولة بلا محاسبة، ولا مصالحة بلا حقيقة، ولا استقرار دائم فوق مقابر العدالة.

ما جرى في سوريا لم يكن تفكيكًا لمنظومة القمع، بل استبدالًا لها. فمن نظام الأسد الذي حول الدولة إلى جهاز أمني دموي، إلى سلطة جديدة تشكلت من فصائل مسلحة ذات خلفيات جهادية، يتصدرها محمد الجولاني، صاحب السجل المعروف في الانتهاكات والجرائم بحق المدنيين. إن حصر مفهوم العدالة الانتقالية بجرائم النظام السابق فقط، مع تجاهل الجرائم التي ارتكبتها الفصائل المسلحة بعده أو ما تزال ترتكبها اليوم، لا ينتج عدالة، بل عدالة انتقائية تكيف وفق ميزان القوة، لا وفق معيار القانون.

والأخطر من ذلك أن الفصائل المحسوبة على الجولاني لم تكتفِ بتاريخها الدموي السابق، بل واصلت في مرحلة الحكم ارتكاب انتهاكات خطيرة بحق مكونات سورية بأكملها. من الاعتداءات الممنهجة على العلويين، إلى التهديدات والمجازر بحق الدروز، وصولًا إلى سياسة التخويف والترهيب المستمر التي تستهدف الشعب الكوردي، سواء عبر الخطاب التحريضي أو عبر الممارسات العسكرية والأمنية. في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن عدالة انتقالية بينما يتعرض الكورد للتهديد الدائم على يد جماعات تابعة للسلطة، حديثًا فاقدًا لأي مصداقية أخلاقية أو سياسية.

العدالة الانتقالية لا تجزأ، ولا تطبق انتقائيًا، ولا تبنى على إنكار الجرائم الجارية. فهي مسار شامل لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المساواة التامة أمام القانون، لا على أساس الانتماء الديني أو القومي أو درجة القرب من مركز السلطة. لكن ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا: بقاء بعض رموز من النظام السابق داخل الهياكل الجديدة دون مساءلة، بالتوازي مع حماية قادة فصائل متورطين في القتل والاعتقال والتطهير، بل وتسليم بعضهم مواقع سيادية في دولة الجولاني. هذا الواقع لا يمثل انتقالًا سياسيًا، بل إعادة ترتيب شاملة لمنظومة الإفلات من العقاب داخل دولة هجينة، مظهرها مؤسسات، وجوهرها سلاح منفلت فوق القانون.

وفي أي نقاش جدي حول العدالة الانتقالية، لا يمكن التعامل مع محمد الجولاني بوصفه ضامنًا أو وسيطًا محايدًا، بل بوصفه طرفًا أساسيًا في ملف الاتهام. فالرجل لم يأتِ من خارج دائرة العنف، بل من قلبها، وهو مرتبط تنظيميًا وتاريخيًا بفصائل ارتكبت جرائم موثّقة بحق المدنيين. والقانون، إن كان قانونًا فعلًا، لا يميّز بين جريمة ارتُكبت باسم الدولة وأخرى ارتُكبت باسم الدين أو “التحرير”، لأن العدالة تقيس الأفعال لا الشعارات.

وبما أن الجولاني هو من يحكم اليوم، وهو من يمسك بالقرار التنفيذي ويشكّل الحكومة، فإن مسؤوليته لا تقتصر على الماضي، بل تشمل الحاضر بكل انتهاكاته. فالحاكم، في منطق الدولة الحديثة، يُحاسب على ما ارتكبه، وعلى ما سمح باستمراره، وعلى الجرائم التي تقع في ظل سلطته دون محاسبة مرتكبيها. وحتى اللحظة، لم تظهر أي إرادة سياسية حقيقية لمساءلة مجرمي النظام السابق أو قادة الفصائل التابعة للسلطة الحالية، ما يجعل الصمت الرسمي شراكة فعلية في الجريمة.

المعضلة الجوهرية أن الجولاني لا يقف خارج مسار العدالة الانتقالية، بل يشكل أحد عوائقها البنيوية. فكيف يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في ظل سلطة منبثقة عن السلاح، وقضاء غير مستقل، وفصائل مسلحة تهدد مكونات كاملة من الشعب السوري، وبشكل خاص الشعب الكوردي والأخوة الدروز والعلويين.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط غياب العدالة، بل تطبيع الجريمة داخل بنية الدولة، وتحويل العنف من استثناء إلى قاعدة حكم. ويطلب من الضحايا، ومنهم الكورد، التخلي عن حقهم في الحقيقة والأمان باسم الاستقرار. لكن المجتمعات التي تجبر على القفز فوق جراحها لا تتعافى، بل تؤجل انفجارها.

العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تقوم ما دام اكثر من نصف الشعب السوري مهددًا، وما دامت الفصائل المسلحة فوق القانون، وما دام الجاني هو من يضع شروط المحاسبة. فإما عدالة شاملة تطال جرائم نظام الأسد وجرائم سلطة اليوم معًا، وتؤسس لدولة قانون حقيقية لجميع السوريين، أو لا عدالة على الإطلاق. أما الاستقرار القائم على إنكار الجريمة وتجاهل اضطهاد المكوّنات، فليس سوى إعادة إنتاج للعنف… لكن هذه المرة باسم الدولة.

وفي الختام نقول: إن سوريا المستقبل، إن كتب لها أن تقوم على أسس عادلة، لن تبنى دون شراكة متكافئة مع الكورد وبقية المكونات ، قائمة على الاعتراف الدستوري، والفيدرالية، وحق تقرير المصير، لا على الإقصاء والتهديد. وكل مسار يتجاهل هذه الحقيقة، ليس طريقًا إلى العدالة، بل وصفة مؤكدة لصراعٍ مؤجّل وانفجارٍ قادم.