حوران حم
لم يكن حضور الكرد في الحياة السياسية السورية أمراً طارئاً أو عابراً، بل هو نتاج مسيرة طويلة من الوعي القومي والنضال السياسي والثقافي امتدت لنحو قرن من الزمن. ومع ذلك، فإن الواقع الراهن للحركة السياسية الكردية في سوريا يبدو اليوم أكثر تعقيداً وإرباكاً من أي وقت مضى، حيث تتقاطع فيه الانقسامات الداخلية مع التدخلات الإقليمية، وتختلط فيه الإنجازات التاريخية بحالة من العجز السياسي والتراجع في التأثير.
إن فهم هذا الواقع المأزوم يتطلب العودة إلى جذور الحركة الوطنية الكردية في سوريا، التي بدأت ملامحها بالتشكل في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وبشكل خاص بعد اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 التي قسمت كردستان بين أربع دول، ووضعت الشعب الكردي أمام واقع سياسي جديد فرض عليه البحث عن وسائل مختلفة للحفاظ على هويته وحقوقه.
في هذا السياق ظهرت حركة خويبون كواحدة من أبرز المحطات المبكرة في تنظيم العمل السياسي الكردي، حيث لعبت دوراً مهماً في بلورة الوعي القومي وتنظيم النشاط السياسي والثقافي للكرد في سوريا وخارجها. وتشير الكثير من الروايات التاريخية إلى أن البدايات الأولى لتشكيل هذه الحركة كانت في مدينة القامشلي، في منزل الوجيه الكردي قدور بك، قبل أن يتم الإعلان الرسمي عنها لاحقاً في لبنان.
ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل في المناطق الكردية شبكات من الجمعيات الثقافية والنوادي الاجتماعية والتنظيمات الشبابية التي ساهمت في الحفاظ على اللغة والثقافة الكردية في ظل بيئة سياسية لم تكن تسمح بالكثير من الحريات.
وجاء تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957 ليشكل منعطفاً مهماً في مسار النضال الكردي، حيث دخلت القضية الكردية مرحلة العمل السياسي المنظم، وبدأت الأحزاب الكردية تطرح برامجها ومطالبها في إطار وطني سوري.
غير أن هذا المسار واجه تحديات هائلة مع وصول حزب البعث إلى السلطة، إذ تبنى النظام سياسات قومية متشددة تجاه الكرد، شملت إجراءات تمييزية خطيرة مثل الإحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي جُرّد بموجبه عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، إضافة إلى مشروع الحزام العربي الذي استهدف تغيير البنية الديمغرافية في المناطق الكردية.
ورغم هذه الظروف القاسية، لم تتوقف الحركة السياسية الكردية عن نشاطها، بل واصلت العمل في ظروف سرية وصعبة، وتعرض العديد من مناضليها للاعتقال والملاحقة. كما شهدت تلك المرحلة بروز تيارات سياسية لعبت دوراً مهماً في تطوير الخطاب الكردي وتعزيز العلاقات مع القوى الوطنية السورية ومع الرأي العام العربي والدولي.
وفي الوقت ذاته، ساهمت الحركة الكردية في فضح السياسات الشوفينية للنظام السوري، بدءاً من وثيقة محمد طلب هلال التي شكلت الأساس النظري لسياسات التعريب، مروراً بمخطط الحزام العربي، وصولاً إلى حملات القمع المختلفة التي استهدفت المدن الكردية.
وقد دفعت الحركة الكردية السورية ثمناً باهظاً في هذه المواجهة الطويلة، حيث سقط العديد من الشهداء الذين أصبحوا رموزاً للنضال الكردي، من بينهم محمد أمين أدي، والشيخ محمد معشوق الخزنوي، ومشعل التمو، إضافة إلى شهداء الانتفاضة الكردية في عام 2004 التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ الكرد السوريين.
ورغم هذا التاريخ الطويل من النضال، لا يمكن إنكار أن الحركة السياسية الكردية في سوريا لم تنجح في تحقيق حل سياسي للقضية الكردية حتى اليوم. غير أن هذا الإخفاق لا يمكن تفسيره بمعزل عن السياق الإقليمي المعقد الذي تعيش فيه القضية الكردية في عموم المنطقة.
فالقضية الكردية ليست مشكلة سورية فقط، بل هي قضية شعب مقسم بين عدة دول، وكل جزء منها يخضع لظروف سياسية مختلفة. ولذلك فإن تعثر الحلول السياسية في سوريا لا يختلف كثيراً عن تعثرها في تركيا أو إيران، حيث ما تزال القضية الكردية في هذين البلدين أيضاً تبحث عن تسوية عادلة.
لكن ما جعل المشهد الكردي السوري أكثر تعقيداً في السنوات الأخيرة هو دخول قوى سياسية وعسكرية جديدة إلى الساحة، وما رافق ذلك من تحولات عميقة في طبيعة العمل السياسي الكردي.
ففي ظل الحرب السورية، برزت قوى مسلحة استطاعت أن تفرض حضورها على الأرض، مستفيدة من فراغ السلطة ومن التحولات الإقليمية والدولية التي رافقت الصراع. وقد أدى ذلك إلى انتقال مركز الثقل من العمل السياسي المدني إلى العمل العسكري والأمني، وهو تحول لم يكن مألوفاً في تاريخ الحركة الكردية السورية التي عرفت تقليدياً بطابعها السياسي السلمي.
هذا التحول أحدث تغيرات كبيرة في بنية المجتمع الكردي وفي شكل العلاقة بين القوى السياسية والجمهور، كما فتح الباب أمام صراعات داخلية جديدة زادت من تعقيد المشهد الكردي.
وفي الوقت ذاته، عانت الأحزاب الكردية التقليدية من أزمات تنظيمية وسياسية عميقة، تمثلت في الانقسامات المتكررة، وضعف القدرة على تجديد الخطاب السياسي، وعدم القدرة على بناء جبهة موحدة قادرة على تمثيل الكرد بفاعلية في المحافل الوطنية والدولية.
لقد أدى هذا الواقع إلى شعور واسع بالإحباط داخل المجتمع الكردي، حيث بدأ كثير من الناس يفقدون الثقة بقدرة القوى السياسية على الدفاع عن مصالحهم أو تحقيق تطلعاتهم.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع المأزوم لا يعني أن القضية الكردية في سوريا وصلت إلى طريق مسدود. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمتلك إرادة البقاء قادرة دائماً على إعادة تنظيم صفوفها واستعادة دورها.
إن الخطوة الأولى نحو الخروج من الأزمة الراهنة تكمن في الاعتراف الصريح بالأخطاء التي ارتكبتها الحركة السياسية الكردية خلال العقود الماضية، سواء تعلق الأمر بالانقسامات الحزبية أو بضعف العمل المؤسسي أو بعدم القدرة على استثمار الفرص السياسية المتاحة.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق حوار كردي – كردي جاد يهدف إلى تجاوز الخلافات القديمة وبناء رؤية سياسية مشتركة لمستقبل الكرد في سوريا.
وقد يكون عقد مؤتمر كردي سوري جامع خطوة أساسية في هذا الاتجاه، بحيث يجمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، ويعمل على صياغة مشروع سياسي كردي موحد يقوم على مبادئ الديمقراطية والشراكة الوطنية والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي.
إن مثل هذا المشروع لا ينبغي أن يكون موجهاً ضد أحد، بل يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني سوري شامل يسعى إلى بناء دولة ديمقراطية تعترف بتعددية مكوناتها القومية والثقافية.
فالقضية الكردية في جوهرها ليست قضية انفصال أو صراع مع الشعوب الأخرى، بل هي قضية حقوق وعدالة ومواطنة متساوية.
إن تاريخ الحركة الوطنية الكردية في سوريا، بكل ما يحمله من تضحيات ونضالات، يشكل رصيداً معنوياً كبيراً يمكن البناء عليه في المرحلة القادمة. لكن هذا التاريخ وحده لا يكفي، ما لم يتحول إلى قوة سياسية منظمة قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
إن اللحظة الراهنة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الكرد السوريين. فهي لحظة مليئة بالمخاطر، لكنها في الوقت ذاته تحمل فرصاً جديدة لإعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة السورية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: ماذا قدمت الحركة الكردية في الماضي؟
بل أيضاً: ماذا تستطيع أن تقدم للمستقبل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من خطاب سياسي أو بيان حزبي، بل من قدرة الحركة الكردية على استعادة وحدتها وتجديد مشروعها السياسي والانطلاق من جديد بروح المسؤولية التاريخية.
