سليمان سليمان – رئيس جبهة كوردستان سوريا
في ظل الحديث المتزايد عن اتصالات أجراها ترامب مع قيادات كوردية في إقليم كوردستان، ومع شخصيات سياسية من روجهلات كوردستان، برزت موجة واسعة من التحليلات والمواقف، سواء في الأوساط الشعبية أو بين النخب السياسية. وغالباً ما يختصر هذا الجدل في عبارة واحدة:
على القادة الكورد ألا يكونوا جسراً للولايات المتحدة وإسرائيل للوصول إلى إيران.
وينطلق كثيرون في هذا الطرح من التجارب السابقة مع الولايات المتحدة، حين اعتمدت على الكورد في مراحل معينة، ثم تخلت عنهم عند تغير أولوياتها، من دون أي اعتبار فعلي لحجم التضحيات التي قدمت.
هذا الاعتراض، في جوهره، ذو طابع أخلاقي، لكنه يتعامل مع السياسة كأنها مساحة حرة للاختيار، لا كساحة تفرض فيها الخيارات أحياناً بقوة التوازنات. فهو يفترض أن الرفض متاح دائماً، وأن كلفته تبقى تحت السيطرة، متجاهلاً طبيعة النظام الدولي الذي لا يمنح الفاعلين الأقل قوة رفاهية المناورة المفتوحة.
فما يقال في الإعلام لا يعكس بالضرورة ما يجري في الغرف المغلقة، ولا طبيعة الضغوط التي تمارس في لحظات إقليمية شديدة الحساسية. وفي مثل هذه اللحظات، لا تطرح الأسئلة بصيغة: ماذا نفضل؟ بل بصيغة: ما الذي يمكن احتماله بأقل قدر من الخسائر؟
من هنا، يبدو منطقياً قلب السؤال : ماذا لو رفض الكورد المقترح الأميركي؟
وماذا لو وضعوا أمام معادلة سياسية قاسية من نوع: (إما معنا أو ضدنا )؟
هنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن أي اصطفاف، بل بمحاولة فهم كلفة الرفض نفسها في نظام دولي لا يعاقب الضعفاء فقط على أخطائهم، بل أحياناً على استقلال قرارهم. فالدول الكبرى لا تتعامل مع القوى غير الدولتية أو الكيانات الإقليمية بمنطق الشراكة المتكافئة، بل بمنطق المصالح والوظائف المؤقتة. وعندما يطلب من طرف محدود الإمكانات اتخاذ موقف استراتيجي في صراع إقليمي واسع، فإن خيار الرفض لا يكون دائماً تعبيراً عن السيادة، بل قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني مباشر.
وعليه، فإن القبول بأي مقترح إن وضع فعلاً على طاولة القيادات الكوردية قد لا يكون تعبيراً عن قناعة كاملة، بل عن محاولة لإدارة الضرر في لحظة ضغط قصوى. وفي هذه الحالة، يصبح من حق الكورد المطالبة بضمانات سياسية وأمنية واضحة، حتى وإن كانت التجربة التاريخية تظهر أن مثل هذه الضمانات تبقى هشة وقابلة لإعادة التفسير تبعاً لتحول المصالح.
والتجربة الكوردية الحديثة تقدم مثالين واضحين على ذلك. فما جرى في روج آفاي كوردستان بعد التحولات المفاجئة في الموقف الدولي عموماً، والأميركي خصوصاً، لصالح الجولاني وتركيا، وعلى حساب الشعب الكوردي وتضحياته، يوضح كيف يمكن أن تتبدل الحسابات بسرعة، بحيث تترك القوى المحلية في مواجهة واقع ميداني بالغ القسوة.
وكذلك ما أعقب استفتاء إقليم كوردستان عام 2017 أظهر حدود الرهان على الدعم الخارجي، حين وضع الإقليم أمام ضغوط إقليمية ودولية قاسية، وتقلص هامش الحركة بشكل حاد. والتجربتان معاً تكشفان أن الضمانات الدولية، مهما بدت صلبة في لحظة ما، تبقى خاضعة لمعادلات القوة، لا لثبات الالتزامات.
في المقابل، لا يمكن إغفال خبرة قيادات إقليم كوردستان في التعامل مع هذا النوع من التحولات. فقد راكمت هذه القيادات، عبر عقود من الصراع والتفاوض، تجربة مريرة مع تبدل أولويات الحلفاء وازدواجية المعايير الدولية. ومن يتحمل تبعات القرار على الأرض ليس كمن يعلق عليه من مسافة آمنة. فأصحاب الدار، بحكم احتكاكهم اليومي بتعقيدات الأمن والاقتصاد والتوازنات الإقليمية، أدرى بتفاصيل واقعهم من أي قراءة خارجية، مهما بدت متماسكة نظرياً.
ومن هنا يمكن الوصول إلى خلاصة أكثر واقعية:
في ميزان الربح والخسارة، قد يكون القبول بخيار محفوف بالمخاطر أقل كلفة من رفض غير محسوب في ظل معادلات قوة مختلة. ليس لأن الرهان على قوة كبرى مضمون أو أخلاقي بالضرورة، بل لأن الفاعل الأقل قوة في بيئة إقليمية معقدة لا يملك رفاهية الاصطفاف الأخلاقي المجرد في صراع تدار مفاصله بميزان القوة لا بميزان العدالة.
فالموقف الكوردي اليوم لا يقاس بعلو الشعارات، بل بقدرته على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب ضمن واقع إقليمي لا يرحم المترددين ولا يكافئ المثاليين. وفي هذا السياق، يبقى التحدي الحقيقي ليس في رفض لفظي أو قبول شكلي، بل في تحويل أي تفاهم محتمل إلى مكاسب سياسية ملموسة ومستدامة، تحصن الداخل الكوردي وتوسع هامش قراره، بدلاً من الاكتفاء بدور عابر في صراعات الآخرين.
وفي كل الأحوال، يقف الكورد اليوم أمام خيارين أحلاهما مر، لا لأنهم ضعفاء، بل لأن حلفاءهم لم يكونوا في أي مرحلة مصدر ثقة حقيقية.
وكما يقال: أهل مكةَ أدرى بشِعابها .
