عبدالكريم عمي – عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا ( الپارتي )
في لحظة سياسية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في سوريا يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة القرار الكوردي واستقلاليته هل يعقل أن يرتهن مصير كوردستان سوريا لحسابات صراع قائم بين أطراف خارج حدودها؟ وهل يجوز أن يتحول شعب قدم التضحيات في سبيل حقوقه إلى ورقة تفاوض في ملف لا يعنيه مباشرة؟
إن الحديث هنا يتصل بمسألة الدور الذي يلعبه عبد الله أوجلان في المشهد الإقليمي وبخاصة في علاقته المعقدة مع الدولة التركية. لا يمكن إنكار أن أوجلان شخصية محورية في التاريخ السياسي الكوردي المعاصر وله حضور فكري وتنظيمي لدى شريحة من الكورد. غير أن هذا الحضور مهما بلغ حجمه لا يمنح أي طرف حق تقرير مصير جزء آخر من كوردستان خارج سياقه الجغرافي والسياسي.
إنّ خصوصية كوردستان سوريا تفرض تحييدها عن الصراعات الإقليمية. فهي ليست امتداداً وظيفياً لصراع قائم بين حزب العمال الكردستاني وتركيا وليست ساحة بديلة لتصفية الحسابات أو تحسين شروط التفاوض. لكل جزء من أجزاء كوردستان خصوصيته التاريخية والسياسية وظروفه الموضوعية وبنيته المجتمعية وتحالفاته الإقليمية والدولية. وأي مقاربة تتجاوز هذه الحقائق تنزلق نحو اختزال خطير للقضية الكوردية في بعدها السوري.
وإذا كان الحديث يدور عن ( السلام ) فالسؤال البديهي أين يجب أن يبحث هذا السلام؟ أليس الأولى أن يكون في دياربكر وشرناق وأنقرة؟ أليست هذه الجغرافيا هي ساحة النزاع المباشر بين الحركة الكوردية في شمال كوردستان والدولة التركية؟ فلماذا تنقل المعركة أو ترحّل التفاهمات إلى الأرض السورية حيث السياق مختلف والدولة المعنية هي سوريا لا تركيا؟
إن الدولة السورية بكل تعقيداتها وأزماتها لا تعنى مباشرة بالصراع التركي–الكوردي داخل حدود تركيا. ومن الخطأ السياسي الفادح أن تزج المناطق الكوردية في سوريا في معادلات لا تخدم مشروعها الوطني ولا تعزز موقعها التفاوضي في الداخل السوري. فالقضية الكوردية في سوريا جزء من المسألة الوطنية السورية ترتبط بالدستور واللامركزية والحقوق القومية والشراكة في السلطة وليست تفصيلاً في ملف أمني عابر للحدود.
لسنا جنوداً تحت الطلب. ولسنا قوة احتياط في معركة غيرنا. شعب كوردستان سوريا ليس تابعاً تنظيمياً لأي مركز قرار خارج حدوده. القرار الكوردي في سوريا يجب أن يصاغ في قامشلو والحسكة وعامودا وكوباني وعفرين وجنديرس وراجو وتل حاصل والباب لا في عواصم إقليمية أخرى. فالشرعية تستمد من الجماهير لا من التفويض الأيديولوجي العابر للجغرافيا.
إن استقلالية القرار السياسي ليست موقفاً عدائياً من أحد بل هي شرط أساسي لبناء مشروع وطني متوازن. وكما نرفض تدخل أنقرة في شؤوننا نرفض أيضاً أي وصاية سياسية تأتي تحت عناوين أيديولوجية أو تاريخية. إن احترام خصوصية كل جزء من أجزاء كوردستان هو المدخل الصحيح لأي تكامل قومي مستقبلي لا العكس.
في المحصلة السلام قيمة عليا لكنّه لا يبنى على حساب الآخرين ولا عبر نقل الأزمات من ساحة إلى أخرى. من أراد السلام مع تركيا فليبحثه في ميادينه الطبيعية. أمّا كوردستان سوريا فمشكلتها مع دمشق تحلّ بالحوار الوطني والدستور والاعتراف المتبادل لا عبر رسائل متبادلة بين أنقرة وأطراف إقليمية.
القرار الكوردي في سوريا يجب أن يكون سورياً في إطاره كوردياً في مضمونه وطنياً في رؤيته ومستقلاً في إرادته. هذه ليست نزعة انعزالية بل شرط البقاء السياسي في منطقة لا ترحم الضعفاء ولا تحترم من يتنازل عن حقه في تقرير مصيره.
القضية الكوردية في سوريا ليست بنداً في مفاوضات أنقرة أو في حسابات حزب العمال الكردستاني.
لا وصاية على إرادة كوردستان سوريا.
أبناء هذه الأرض هم وحدهم من يقرّرون مصيرهم في إطار السيادة والشرعية الوطنية.
