من الجهادية إلى السلطة: إعادة إنتاج الاستبداد بلباس جديد

زينب خليل – عضو الدائرة السياسية لحركة السلام الكوردستاني

 

 

لا يمكن لسوريا أن تقترب من أي استقرار حقيقي ما دامت بنيتها السياسية قائمة على الإنكار والإقصاء، وما دام الاعتراف الدستوري الصريح بتعددها القومي والديني مؤجلًا أو مشروطًا. لقد أثبتت تجربة الدولة المركزية الأحادية، على امتداد عقود، فشلها البنيوي في إدارة التنوّع، بل حولته إلى عامل صراع دائم. فمنذ ستينيات القرن الماضي، جرى التعامل مع الاختلاف بعقلية أمنية قوموية ترى في أي اعتراف بالتعدد تهديدًا ينبغي سحقه لا حقيقة يجب تنظيمها. وكان الشعب الكوردي في مقدمة من دفعوا ثمن هذه السياسات، عبر التعريب، وسحب الجنسية، ومحو اللغة والهوية.

 

في هذا السياق المأزوم، يعاد اليوم طرح سؤال يبدو ظاهريًا مشروعًا، لكنه في جوهره مضلل: هل يمكن لمن تشكل وعيه السياسي والديني داخل بيئة سلفية جهادية أن يتحوّل إلى قائد دولة مدنية أو ديمقراطية؟ من الناحية الفكرية والسياسية، الجواب واضح: هذا التحول ليس صعبًا فحسب، بل شبه مستحيل. فالعقل الجهادي ليس مجرد خيار شخصي قابل للتبديل، بل هو نتاج منظومة فكرية مغلقة تقوم على الإقصاء لا التعدد، وعلى الحاكمية الدينية لا المواطنة، وعلى السلاح بوصفه أداة حكم لا السياسة بوصفها إدارة للاختلاف.

 

ما جرى حتى الآن لا يتعدى تغييرًا في الخطاب والشكل الإعلامي، دون أي مراجعة فكرية صريحة تتخلى عن التكفير أو عن مشروع الدولة الدينية. لم يُقدم أي اعتراف واضح بالخطأ، ولا أي التزام علني بقيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية. والرهان على تحوّل تلقائي تحت ضغط الواقع ليس سوى وهم سياسي خطير، لأن الأيديولوجيات الشمولية لا تتحول بمجرد البراغماتية السياسية، بل تحتاج إلى إعادة بناء فكرية عميقة، لم تظهر معالمها حتى الآن.

 

الأخطر من ذلك أن هذا العقل لم يكن يومًا معزولًا عن بيئته. آلاف المقاتلين الذين جاؤوا إلى سوريا لم يأتوا إليها بوصفها وطنًا متعدد المكونات، بل بوصفها ساحة جهاد. كثيرون منهم مارسوا العنف بأقصى أشكاله، واستباحوا دم المختلف، ورفضوا من حيث المبدأ فكرة الدولة المدنية. هؤلاء لم يخضعوا لأي مسار حقيقي لإعادة التأهيل الفكري أو القانوني، ومع ذلك يُفترض اليوم أنهم قادرون على التحوّل إلى نواة دولة. الجهادي لا يصبح ديمقراطيًا بتبديل الراية، ومقاتل العقيدة لا يتحوّل إلى رجل دولة بمجرد تغيير اللغة المستخدمة في الخطاب.

 

من هنا، لا يعود السؤال الحقيقي هو من يحكم سوريا، بل كيف تُحكم سوريا. فالعقل الجهادي، بطبيعته، لا يرى البلاد فضاءً للتنوع والمواطنة، بل ساحة للغلبة والسيطرة، حيث تُختزل الدولة في أغلبية حاكمة، وتُدار بقية المكونات الكورد، والمسيحيون، والإيزيديون، والعلويون، والدروز وغيرهم كملفات أمنية لا كشركاء سياسيين. وهكذا يُعاد إنتاج منطق الإقصاء ذاته الذي دمر سوريا سابقًا، لكن هذه المرة تحت شعارات جديدة مثل التحرير أو الاستقرار.

 

إن المشهد الراهن، رغم اختلاف الرايات والخطابات، لا يمثّل قطيعة حقيقية مع نموذج الدولة الاستبدادية، بل استمرارًا له بأدوات مختلفة: مركز يحتكر القرار، خطاب تعبوي، ووعود فضفاضة عن “الوحدة الوطنية” تُستخدم لتبرير الهيمنة. والنتيجة المتوقعة واحدة: إعادة تدوير الاستبداد، سواء ارتدى لباسًا دينيًا أو قومويًا.

 

الخروج من هذه الحلقة لا يكون بتغيير الوجوه، بل بتغيير بنية الدولة نفسها. الدولة المدنية العلمانية الفيدرالية ليست ترفًا فكريًا ولا مشروع تقسيم، بل شرط بقاء. فهي الإطار الوحيد القادر على الاعتراف بالتعدّد بوصفه حقيقة تأسيسية، وضمان المواطنة المتساوية، وتقييد سلطة المركز، وتمكين المكونات السورية من إدارة شؤونها ضمن عقد اجتماعي وطني موحّد.

 

وأي مشروع سياسي لا ينطلق من الاعتراف الصريح بتعدّد سوريا، ولا يكرّس حقوق مكوّناتها دستوريًا، وفي مقدّمتها الشعب الكوردي بحقوقه القومية والثقافية واللغوية، لن يبني دولة، بل سيعيد إنتاج الكارثة نفسها. فالأجيال التي خرجت من الحرب لن تقبل العودة إلى الدولة الأمنية، ولا إلى الدولة الدينية، ولا إلى الدولة القوموية الأحادية.

 

الفيدرالية هنا ليست خيارًا أيديولوجيًا، بل شرط وجود: بدونها، لا استقرار، ولا دولة، ولا سوريا.