كوردستان سوريا بين قرار الداخل وأجندات الخارج 

عباس حمدوش – عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (الپارتي)

 

ليست مأساة الكورد في كوردستان سوريا وليدة اللحظة، ولا هي نتاج ظرف عابر فرضته سنوات الحرب الأخيرة؛ بل هي تراكم تاريخي لسياسات الإقصاء والتهميش، يقابله في كثير من الأحيان خلل داخلي يتمثل في ارتهان القرار الكوردي لأجندات إقليمية متناقضة. لذلك، فإن الحديث عن تحرر كوردستان سوريا يبقى ناقصًا ما لم يُحسم جوهر المسألة: أين يُصنع القرار الكوردي؟ ومن يملكه فعليًا؟

 

إن كوردستان سوريا، الممتدة تاريخيًا من قامشلو إلى كوباني، ومن عفرين إلى مناطق الجزيرة والفرات، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل كيان سياسي–مجتمعي له خصوصيته القومية والثقافية. غير أن هذه الخصوصية ظلت أسيرة توازنات إقليمية، تتجاذبها عواصم القرار في أنقرة وطهران ودمشق وبغداد، بل وحتى ما وراءها. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: كيف يمكن لشعب أن يتحرر، بينما قراره موزع بين حسابات الآخرين؟

 

لقد أثبتت التجارب أن أي مشروع سياسي كوردي لا يستند إلى إرادة داخلية مستقلة، سرعان ما يتحول إلى ورقة تفاوض بيد القوى الإقليمية؛ فمرة يُستخدم الكورد أداة ضغط، ومرة ورقة مساومة، ومرة حاجزًا جيوسياسيًا في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. والنتيجة دائمًا واحدة: تضييق الهامش الوطني الكوردي، وتآكل الثقة الشعبية، وتعميق الانقسام الداخلي.

 

التحرر الحقيقي لا يُقاس بعدد الحواجز العسكرية، ولا باتساع مناطق النفوذ، ولا بحجم الدعم الخارجي؛ بل يُقاس بمدى استقلال القرار السياسي. فالقرار الكوردي يجب أن يُصنع في الداخل، لا في العواصم الإقليمية، وأن ينبع من إرادة المجتمع الكوردي في جغرافيته، لا من تفاهمات تُعقد في غرف مغلقة خارج حدوده.

 

إن استمرار التبعية للأجندات الإقليمية يُفرغ أي خطاب قومي من مضمونه. فحين تُربط الاستراتيجية الكوردية بمحور ضد آخر، تتحول القضية من قضية شعب يسعى إلى الحرية والعدالة، إلى جزء من لعبة محاور إقليمية. وهذا أخطر ما يواجه كوردستان سوريا اليوم: فقدان البوصلة الوطنية الجامعة.

 

المطلوب ليس القطيعة مع العالم، ولا الانغلاق عن التوازنات الدولية؛ فالجغرافيا السياسية تفرض تفاعلات مع القوى الإقليمية والدولية. لكن الفارق شاسع بين علاقة مصالح متكافئة، وبين ارتهان كامل يفقد القرار سيادته. العلاقة الصحية هي التي تخدم المشروع الوطني، لا التي تجعله تابعًا أو ملحقًا.

 

كما أن الوحدة الوطنية الكوردية لا يمكن أن تتحقق ما دام القرار موزعًا بين مراكز خارجية متنافسة؛ فكل طرف يستمد جزءًا من شرعيته من داعم مختلف، وكل مشروع يُصاغ وفق حسابات غير وطنية. وبهذا المعنى، فإن أول خطوة نحو تحرير كوردستان سوريا تبدأ بتحرير القرار الكوردي نفسه.

 

لقد علّم التاريخ الشعوب أن الحرية لا تُستورد، والسيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة جماعية مستقلة. وكوردستان سوريا لن تتحرر ما دام قرارها يُصاغ خارج جغرافيتها، وما دامت أولوياتها تُحدَّد وفق مصالح الآخرين.

 

إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية تعيد تعريف المشروع الكوردي في سوريا على أساس وطني سوري–كوردي مستقل، ينطلق من الداخل، ويستند إلى وحدة الصف، ويضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار حزبي أو إقليمي.

 

فالتحرر يبدأ من هنا… من قرار يُصنع في كوردستان سوريا، باسم أهلها، ولأجل مستقبلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *