سليمان سليمان – رئيس جبهة كوردستان سوريا
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد بالنسبة لغالبية السوريين حدثاً عادياً، بل لحظة محمّلة بوعود كبرى، وبانطباعٍ بأن حقبةً كاملة من القمع قد انتهت أخيراً. لكن الأيام والشهور اللاحقة أثبتت أن انهيار النظام لم يكن سوى انتقال من شكل استبدادٍ مألوف إلى أشكال متعدّدة، أكثر فوضوية وأقل قابلية للضبط أو الإصلاح. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل خرجت سوريا فعلاً من نفق الدولة الأمنية، أم أنها دخلت في مرحلة أشد تعقيداً، تتجاور فيها أنماط سلطوية جديدة بوجوه مختلفة وشعارات متناقضة؟
لم يظهر أي مسار سياسي يطمئن السوريين بأن البلاد تسير نحو دولة المواطنة. فلا دستور جديد يكرس المساواة، ولا مؤسسات جامعة تدار على أساس الشراكة، ولا سلطة مدنية تفرض هيبتها على البنى العسكرية. وما ازداد حضوراً هو الفراغ السياسي، وما تمدد هو الفعل الميليشياوي الذي حلّ محل الدولة وانتحل وظائفها، دون أي التزام بقانون أو عقد اجتماعي.
السلاح أصبح اللغة الحاكمة. الفصائل، مهما اختلفت تسمياتها ومرجعياتها، باتت تشكّل واقعاً أمنياً مشتركاً: حواجز تتحول إلى أدوات للاعتقال والابتزاز، طرقات تخضع لسطوة العصابات، ومواطن يشعر بأنه مكشوف أمام قوى عابرة لا تخضع للمساءلة . وفي سياق هذا التفكك البنيوي للدولة، يتكرّس الحضور التركي بوصفه أحد أبرز مظاهر السيادة المنقوصة، وامتداداً لمرحلة الفراغ التي أعقبت سقوط النظام.
وفي هذا المشهد، تتواصل عمليات الاستيلاء على أملاك المهجّرين، خصوصاً في المناطق الكوردية المحتلة من قبل الفصائل الموالية لتركيا، حيث يترافق التغيير الديموغرافي مع محوٍ مقصود لمعالم تاريخية وثقافية وحقوقية.
الاحتلال التركي المباشر للمناطق الكوردية من عفرين وكري سبي وسري كانية هو تكريسٌ واضح لغياب السيادة الوطنية. ومع غياب أي إرادة حقيقية لفتح ملف الاحتلال، يتعمّق الارتهان لقرار إقليمي لا يضع مصلحة السوريين أولوية. أما سلطة الجولاني، التي تقدّم نفسها باعتبارها بديلاً للنظام المنهار، فتبدو عاجزة أو غير راغبة في المطالبة بخروج القوات التركية، ما يرسّخ الشكوك في استقلالية القرار السياسي ويعيد إنتاج منطق الوصاية الخارجية.
ومن جانب آخر الوضع المعيشي ينهار بوتيرة متسارعة: أسعار ترتفع، وظائف تتبخر، وخدمات تتآكل. وبموازاة هذا الانهيار، يتشكّل إحساس عام بأن البلاد تقف على حافة انفجار جديد، خصوصاً مع احتقان طائفي ومناطقي تغذّيه الميليشيات، وغياب مشروع وطني يلمّ شتات المجتمع.
السلطة القائمة اليوم لا تمتلك سلطة فعلية على الأرض. فالمجموعات المسلّحة العابرة للحدود، من الإيغور إلى الشيشان وغيرها، تتحرك وفق أجندات لا تمت للواقع السوري بصلة، وتعيد إنتاج نموذج “الدولة الغنيمة” الذي يختزل السياسة في الغلبة ويحوّل المجتمع إلى مجالٍ للنهب والاستتباع.
ومع توالي المجازر من الساحل إلى السويداء، ومع غياب أي إطار للعدالة أو حتى اعتراف بالمسؤولية، يترسخ مناخ الإفلات من العقاب. الدم السوري لا يزال بلا قيمة سياسية، والضحايا بلا صوت، والمجرمون بلا خوف من المساءلة.
ومثلما تُختطف الجغرافيا السورية من قبل القوى العسكرية، تُختطف الحقوق السياسية أيضاً، وفي مقدمتها القضية الكوردية التي تشكّل إحدى أكثر القضايا إلحاحاً على المستوى الوطني. فما تزال عالقة في دائرة الإنكار نفسها التي أنتجتها الأنظمة السابقة. دون اعتراف دستوري بالحقوق، ودون شراكة سياسية حقيقية، تستمرّ ذهنية الإقصاء في إنتاج المركزية العمياء نفسها، ولكن هذه المرة بوجوه وشعارات جديدة.
بهذا المعنى، لا يبدو الجولاني مختلفاً كثيراً عن بشار الأسد. اختلاف الخطاب لا يعني اختلاف النهج؛ فكلاهما يحكم بمنطق السيطرة المطلقة وتهميش المجتمع، وإن اختلفت اللغة بين خطاب “الدولة” وخطاب “التحرير”. وفي الوقت الذي يسعى فيه الجولاني إلى تحسين صورته دولياً وتقديم نفسه كشريك في محاربة الإرهاب، يبدو واضحاً أنه يعمل على تثبيت سلطته تمهيداً لمرحلة جديدة من القمع.
الصراع في سوريا لم يعد مجرد تنازع على السلطة، بل أصبح مواجهة بين نموذجين متناقضين جذرياً:
نموذج يسعى إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية تقوم على الشراكة بين جميع المكوّنات، وعلى عدالة توزيع السلطة والثروة، وعلى الاعتراف المتساوي بالحقوق القومية والسياسية؛
ونموذج ميليشياوي مغلق يعيد إنتاج الاستبداد ويحوّل المجتمع إلى مساحة خوف وخضوع.
وفي سياق هذا التناقض، يبرز النظام الفيدرالي بوصفه أحد أكثر الحلول عقلانية لجميع السوريين، رغم الحملات المنظمة التي تستهدف تشويهه، خصوصاً من بعض القوى الإقليمية وفي مقدمتها تركيا التي تسعى إلى تصوير الفيدرالية كمرادف للانقسام. والحقيقة أنّ الفيدرالية صيغة اتحادية تضمن وحدة الدولة عبر توزيعٍ متوازن للسلطة. والفيدرالية ليست مشروعاً كوردياً فحسب، بل ضمانة لجميع السوريين الساعين إلى إنهاء الاستبداد المركزي الذي دمّر الدولة والمجتمع. لكن الأطراف المرتبطة بالمشاريع الخارجية أو المستفيدة من استمرار المركزية تعمل على بث خطاب تخويفي يُشيطن كل طرح يتجاوز الدولة الأحادية. وما لم يُفتح هذا النقاش بوضوح ومسؤولية، ستظل البلاد عالقة في دائرة سلطوية تتجدد باستمرار وتتوارثها الأجيال تحت ضغط الخوف والتضليل.
إن مسؤوليتنا السياسية والأخلاقية تفرض علينا قول الحقيقة كما هي:
سقوط الأسد لم يكن نهاية الاستبداد، بل كان فرصة لم تُستثمر. ولن يبدأ التغيير الحقيقي ما لم يُعاد تعريف الصراع باعتباره صراعًا من أجل بناء الدولة، لا الصراع على امتلاك السلطة؛ ومن أجل الإنسان وحقوقه، لا من أجل الغنيمة والحصص.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
هل سقط الأسد فعلاً ،أم تغيّر شكله فقط.
