عام من السقوط… الفيدرالية وحدة أم تقسيم؟

فرهاد حبش

 

شهدت سوريا، منذ عام على سقوط النظام الأسد البائد، صعوباتٍ وتحدياتٍ كبيرة، كان من أبرزها مواجهة التدخلات الإسرائيلية، ومسألة طرد الفصائل غير السورية، وحماية حقوق المكونات. غير أن أكثر القضايا تعقيدًا تبقى مسألة شكل نظام الحكم في الدولة، إذ أصبحت محورًا واسعًا للنقاش بين السوريين، فهناك من يرى في الفيدرالية تقسيمًا لسوريا وتهديدًا لوحدة البلاد، في حين يراها آخرون إطارًا لوحدتها وضمانًا لاستقرارها.

 

إنّ الفيدرالية هي شكل من أشكال نظام الحكم، وليست اختراعًا كورديًا أو درزيًا أو علويًا، بل هي علاقة تقوم على توزيع وظيفة الحكم بين الولايات أو الأقاليم من جهة، والمركز من جهة أخرى. وهي، بالمعنى الأدق، عملية تشاركية تتيح لجميع الأطراف والمكوّنات، وحتى المناطق الجغرافية، المشاركة في صناعة القرار السياسي وإدارة الدولة. وفي ظل الأزمة السورية، تبرز الحاجة إلى شكلٍ من أشكال الحكم القادر على معالجة المشكلات التي أفرزها النظام الساقط خلال عقود من الحكم، وضمان إنهاء الصراعات الدائرة في سوريا والحفاظ على وحدتها.

 

إنّ بلدًا مثل سوريا، المتعددة القوميات والأديان والإثنيات، ومع سقوط النظام الأسد، برز فيه خطاب الكراهية والطائفية بين السوريين، الأمر الذي جعل من الفيدرالية حاجةً ضرورية لإنهاء هذه الحالة. فالفيدرالية تُسهم في بناء حالة من الحوار بين الأطراف والمركز، وتُعزز وحدة البلاد، كما تُشكل آلية لمنع عودة الاستبداد من جديد، وأداةً دستورية تُقيد تركز السلطة في يد مركز واحد، وتُنشئ توازنًا فعليًا بين المركز والأقاليم. ولدينا أمثلة يُحتذى بها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وسويسرا، والهند، والعراق (إقليم كردستان)، وحتى دولة الإمارات العربية المتحدة. كما أنّه تاريخيًا، شهدت بعض مراحل التاريخ الإسلامي أشكالًا من الحكم كانت قريبة من الفيدرالية واللامركزية.

 

وبعد استلام هيئة تحرير الشام، بزعامة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، السلطة في دمشق، وتشكيل حكومة ودستور انتقالي بشكلٍ أحادي وبطابعٍ أحادي اللون، مع استبعاد معظم المكونات الأساسية في سوريا، وارتكاب الانتهاكات والجرائم بحق الساحل والسويداء، ازدادت حالة التفرقة وتعميق الانقسام بين المكونات السورية. كما أسهمت آلية تعامل السلطة مع الشعب في تصاعد المطالبة بالفيدرالية، ولا سيّما من قبل العلويين والدروز، إذ إن رفض سلطة دمشق لمبدأ الفيدرالية يأتي نتيجة العقلية المركزية التي تُقصي الجميع، وهي عقلية من شأنها دفع سوريا نحو حربٍ أهلية، وإعاقة بناء سوريا الجديدة، ولا سيّما في ظل دخول المنطقة عمومًا مرحلة إعادة تشكيل التحالفات السياسية الجديدة، بدل الانخراط في مسار يجعل سوريا بعيدة عن أن تكون ساحةً للصراع الإقليمي.

 

كما تتيح الفيدرالية تنمية متوازنة بين المناطق، عبر منح الأقاليم صلاحيات في إدارة مواردها ضمن إطار الدولة الواحدة، وتُنهي سياسات التهميش الاقتصادي التي عانت منها أطراف البلاد لعقود، ولا سيّما المناطق الكوردية، رغم كونها سلة سوريا الغذائية، إلا أنّها عانت من سياسات الإقصاء والمركزية التي فرضها نظام بشار الأسد على الشعب السوري عمومًا، والكوردي على وجه الخصوص.

 

إنّ الفيدرالية التي يمكن أن تقوم في سوريا لا تعني استنساخ تجربة أخرى، بل هي نابعة من الواقع السوري الجغرافي والاجتماعي والتاريخي، بما يعكس غنى البلاد وتنوعها.

 

إنّ الخلط بين الفيدرالية والتقسيم هو مفهوم سياسي لا دستوري؛ فالفيدرالية تقوم على سيادة واحدة، وجيش واحد، وسياسة خارجية موحّدة. ولذلك، يجب أن تُفهم بوصفها إنقاذًا للدولة لا تفكيكًا لها أو تقسيمًا. ففرض المركزية في بلدٍ مثل سوريا هو ما سيؤدي إلى تقسيمها وتفكيك هويتها الوطنية بتنوّعها الغني، وهي هوية عانت لعقود طويلة من تجربة المركزية القسرية، الأمر الذي يتطلّب بناء عقدٍ اجتماعي جديد يقوم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى التنوع لا الهيمنة.